الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

289

مناهل العرفان في علوم القرآن

( المثال الثاني ) قوله تعالى : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ * فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً . وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وذلك أنه وقع في أسر المسلمين يوم بدر سبعون من أشراف قريش . فاستشار الرسول أصحابه فيهم . فمنهم من اشتد وأبى عليهم إلا السيف . ومنهم من رق لحالهم وأشار بقبول الفداء منهم . وكان صلّى اللّه عليه وسلّم مطبوعا على الرحمة ، ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما ، فرجح بمقتضى طبعه الكريم ورحمته الواسعة رأى من أشار بقبول الفداء عسى أن يسلموا أو يخرج اللّه من أصلابهم من يعبده ويمجده ، ولينتفع المسلمون بمال الفدية في شؤونهم الخاصة والعامة . ولكن ما لبث حتى نزلت الآيات الكريمة المذكورة . وفيها تسجيل لخطأ ذلك الاجتهاد المحمدي . فلو كان القرآن كلامه صلّى اللّه عليه وسلم ما سجل على نفسه ذلك الخطأ ! . أمر آخر : في هذه الآيات ظاهرة عجيبة ، هي الجمع بين متقابلات لا تجتمع في نفس بشر على هذا الوجه ، فصدرها استنكار للفعل ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ . وعقب هذا الاستنكار عتاب قاس مر وتخويف من العذاب تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ وفي أثر هذا الاستنكار والعتاب والتخويف إذن بالأكل ، ووصف له بالطيب والحل ، وبشارة بالمغفرة والرحمة لمن أكل فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً . وَاتَّقُوا اللَّهَ . إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ومثلك يعلم أن نظم هذه المتقابلات في سلك واحد بهذه الصورة لآمر واحد ومأمور واحد ، لا يمكن أن يصدر من نفس بشرية هكذا من غير فاضل بين الإنكار والإذن ، ولا بين المدح والذم . ولا بين الوعيد والوعد لأن من طبيعة البشر أن يشغلهم شأن عن شأن ، ولا يجتمع لهم في أمر واحد ووقت واحد خاطران متقابلان ، ولا حالان متنافيتان . كالغضب والرضا والاستهجان ( 19 - مناهل العرفان 2 )